الثلاثاء 18-01-2022
الوكيل الاخباري

سيكولوجية البطالة



يشعر “ المرء/المرأة” اللذان يعيشان في البادية والريف قبل تمدينهما، أو الموقوف إدارياً، أو السجين، وبخاصة في زنزانة، أو المعتقل إدارياً، أو المعتقد، أو المتعلم بالتلقين، أو العاطل عن العمل… أن الوقت يمر بطيئاً، وبطيئاً جداً في بعضها، وكأنه واقف ولا يتحرك. أما “ المرء/المرأة” في المدينة وبسبب الحركة والضجة والنشاط ، فيشعر أن الزمن قصير، وانه يمر سريعاً، وسريعاً جداً في بعض الأحيان.اضافة اعلان

في الحالة الأولى يبدو “ المرء/المرأة” أن العمر طويل مهما قصر، وفي الحالة الثانية يبدو العمر قصيراً مهما طال.

هذا الفرق في الشعور ناجم عن الفرق بين ايقاع الزمن أو الحياة في الحالة الأولى. وبين إيقاعه في الحالة الثانية. وبكلمات أخرى إنه لما كانت الحركة في البادية والريف فصلية، فإن الزمن فيهما يبدو بطيئاً او ساكناً نسبياً. أما في المدينة أو في العاصمة فإن الأمر بالعكس. وكأن الحركة تعني الزمن. وبغياب الحركة يتوقف الزمن ويتسبب بالملل والزهق. وبه يمكن تفسير ثقل البطالة أو الانتظار على العاطل/ة عن العمل، وبالملل الذي يحتله. وعليه قد يصبح العاطل/ة عن العمل طويلاً مستعداً للانحراف أو الانجراف، وحتى إلى الانضمام إلى القوى السفلى/ تحت الارض التي تجعل لحياته معنى ما. أو إلى الانضمام إلى ما يسميهم الأمن العام بأصحاب السوابق ( يا للأسف لهذه التسمية لأنها تكرس صاحبها بما يتهمون به) أو إلى الهجرة من البلاد، وحتى إلى الانتحار أحياناً فالعطالة الطويلة الأمد أسوأ من الموت نفسه لأنها تجعل الحياة فارغة وبلا معنى، فإن تعيش وتحيا يعني وجود شيء محدد تعمله أو رسالة تؤديها كما يقول أحد المفكرين.

يضغط الخليون (العاملون) على الشجيين وهنا هم العاطلون عن العمل من الشباب وخريجي الجامعات لابتكار أعمال منتجة يشتغلون بها، ولكنهم لا يفعلون لأن سوق الابتكار في بلدهم محدود، أي لا طلب شديدا عليه. ويضغط الخليون على أصحاب العمل لاستيعاب مزيد من الأيدي العاملة، ولكنهم لا يفعلون، فالزراعة متخمة بالأيدي العاملة المحلية والوافدة، والصناعة والتجارة مكتفيان بمن فيهما. ويضغط الخليون على الحكومة لتوظيف المزيد ولكنها لا تفعل لأن الإدارات الحكومية والبلدية متخمة بالموظفين، فلا تستطيع، لأنها هي الأخرى متخمة بل مثقلة بالموظفين والعاملين. وبلدان الخليج العربي التي كانت تمتص فائض البطالة صار لديها طاقتها البشرية الخاصة، أو تفضيلات أخرى.
ولا يختلف تأثير أو أثر التقاعد المبكر المدني والأمني والعسكري كثيراً عن ذلك في تأثير البطالة أو في إثرها على أصحابه.

إن كلا من العاطلين والعاطلات عن العمل والمتقاعدين والمتقاعدات مكبراً بحاجة ماسة إلى ملء وقتهم الطويل بالعمل، وللتخلص من الملل والسأم والزهق والنكد الأسري التي يعانون منها كل يوم.
عندما تجتمع كل تلك العوامل في بلد أو في دولة ما، فإن الوضع الداخلي فيها يصبح خطراً أو أشبه بقنبلة موقوتة. وما لم يتم نزع فتيلها فإنها قد تنفجر، لأن البلدان النامية مثل الأردن لا تملك ضماناً اجتماعياً قوياً وشاملاً ضد البطالة إلى أن تزول كما في البلدان أو الدول الغنية.
وللأسف وفساد العلف اي التربية والتعليم والإعلام، لا تتوقف الحكومات كثيراً أو طويلاً عند هذه المشكلة الاقتصادية الاجتماعية النفسية الخطرة. إن كلا منها يهرب منها أو يهربها إلى الحكومة التالية فتكبر وتتفاقم.
كنا نقول: إن من لا يملأ وقت فراغه بعمل ما فإنه يقتل الوقت. والحقيقة أن الوقت الفارغ يقتل العاطل/ة عن العمل إذا طال انتظاره لفرصة عمل.

ويزداد الوضع سوءاً في الاسرة إذا كان العاطلون فيها كثر. ويبلغ النكد مداه فيها وهي ترى الأولاد والبنات الذين أنفقت عليهم في المدرسة والجامعة لدرجة التضحية، وصرفت عليهم من دمها قاعدين في وجهها، بعدما كانت تتوقع أن حياتها ستكون أفضل بتخرجهم وتشغيلهم، وبالتعويض الذي ستحصل عليه منهم مقابل ما أنفقته عليهم.

لولا الانترنت اليوم الذي ينشغل به الجميع بما في ذلك العاطلون عن العمل، ويملأون به بعضاً من فراغهم لكانت المشكلة أكبر وأخطر. ولكن الانترنت ليس بديلاً للعمل، فالعمل هو الحركة والحياة، وهو الذي يجعل الوقت يمر ويمضي، والوقت بالعمل يجعل العمل يمضي. لعل مشكلة البطالة هي المشكلة الاجتماعية والاقتصادية الأولى حيث توجد، فهل أدركتَ ذلك؟

سيجمون فرويد: “لا تقنية حياة تربط الفرد بعمق بالحقيقة أكثر من العمل”.

إيريك فروم: “هذا الاتجاه نحو بذل الجهد أو العمل يمكن اعتباره أهم تغير سيكولوجي حدث في التاريخ منذ نهاية العصور الوسطى إلى اليوم”.