الجمعة 20-09-2019
الوكيل الاخباري



ماذا يحتاج الأردن؟




لأربع سنوات مقبلة على الأقل،الأردن بحاجة لحكومات تركز على الاصلاحات الاقتصادية والإدارية وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتطوير أداء المؤسسات.هذا هو المدخل لاستعادة الثقة بالحكومات.

الإصلاحات السياسية على أهميتها لم تضف شيئا لرصيد المؤسسات في بلدنا،لأن مخرجاتها كانت انعكاسا للوضع القائم، وقبل أن ننجح في تغيير هذا الوضع لن تعطينا صناديق الاقتراع نتائج مختلفة عما حصلنا عليه في السابق.

حكومة الرزاز استهلت عهدها بشعبية مرتفعة وسقف توقعات عال، ولم تخسر بعضا من هذه الشعبية لتخلفها في مضمار الاصلاح السياسي، بل لأنها اضطرت لتبني خيارات اقتصادية صعبة.وعندما التفتت بشكل أكثر تركيزا للهموم التي تشغل المواطنين وطرحت برامج وخطط للتعامل معها، بدأت شعبيتها بالاستقرار،والأهم من ذلك بدأ الناس يشعرون بتحسن طفيف في ظروفهم المعيشية.

مشروع باص عمان الذي بدأت أمانة عمان بتشغيله مؤخرا يحوز على اهتمام شعبي أكبر من جدل تعديل قانون الانتخاب أو الأحزاب. لماذا تصر النخب السياسية على فرض أولوياتها على الشعب قسرا؟

يقول رأي مخالف إن الحكومات المدعومة بقاعدة منتخبة يمكنها أن تتخذ القرارات الاقتصادية الصعبة بكلفة أقل من غيرها. هذا تقدير غير دقيق في اعتقادي. أي حكومة، منتخبة كانت أم لا ستواجه مأزق الشعبية إذا ما اتخذت قرارات مغايرة لمصالح الناس الحياتية. يحدث هذا في أعتى الديمقراطيات، ويكون المخرج انتخابات مبكرة عاما بعد عام، فهل يحتمل الأردن في هذه المرحلة اضطرابا سياسيا وتغييرا مستمرا للحكومات لتأمين الأغلبية المنتخبة؟

لايعني هذا أن نتخلى عن حقنا الطبيعي بتطوير الحياة السياسية والتجربة الديمقراطية، وينبغي العمل كل يوم من أجل ذلك، لكن قبل أن نقفز إلى النتائج يتعين العمل على المقدمات التي تضمن الوصول الآمن لمرحلة الديمقراطية المستقرة.

والمقدمات في بلد كالأردن طويلة وشاقة، فثمة جهد ثقافي كبير يجب بذله لتطوير ثقافة المواطنة كبديل ناجز عن كل الهويات الفرعية، وتكريس نهج التعددية في الحياة العامة لا السياسة فقط، وتحقيق قدر معقول من الاستقرار الاقتصادي ورفع الانتاجية في جميع القطاعات،والسير في عملية إصلاح التعليم بشكل جدي وحقيقي.

الأحزاب السياسية لاتترعرع وتكبر في مجتمعات يمزقها صراع هويات، وتهيمن عليها ثقافة سائدة لاتقبل الاختلاف في حده الأدنى. الأحزاب في كل البلدان هي انعكاس للبنية التحتية، ولذلك نجدها في المجتمعات الأقل تطورا تتحول إلى عناوين للتجمعات القبلية والاثنية، أو لرجال الأعمال وأصحاب النفوذ الاقتصادي، وفي أحسن الأحوال أحزاب أيديولوجية تتقاتل على أفكار ماضوية، تسلب الديمقراطية روحها وتحولها إلى وسيلة لحكم الشعب لا الحكم باسم الشعب.

مشكلة الحياة السياسية في بلادنا أنها خضعت لقانون العرض والطلب، ولم يعد هناك من ضوابط حقيقية لتأسيس الأحزاب والمنتديات على قاعدة السوق الحر وقوانينه، فتشكل لدينا واقع مشوه، في مرحلة ذات طبيعة انتقالية تحتاج لإدارة ذكية ومحترفة. حصل نفس الوضع مع المجالس النيابية تقريبا ولم تفلح التعديلات المتكررة على قوانين الانتخاب في تحسين المخرجات. لم ندرك الحاجة للتدرج في بناء المؤسسات السياسية، وسارعنا إلى تقليد تجارب ديمقراطيات عريقة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد عقود من البناء المنضبط والصارم لمداميك الحياة السياسية.