الإثنين 13-07-2020
الوكيل الاخباري



الثروات تحت مجهر مكافحة الفساد




من أبرز التعديلات التي أقرتها الحكومة على مشروع قانون معدل لقانون النزاهة ومكافحة الفساد، مراقبة النمو غير الطبيعي لثروات المسؤولين المشمولين بإشهار الذمة، بالإضافة إلى اعتبار الأفعال الجرمية الواردة في المادة “59” من قانون الانتخاب لمجلس النواب جرائم فساد، ويقصد بذلك المال الانتخابي غير الشرعي وشراء الأصوات.

ظل سؤال الثروة غير الطبيعية بالنسبة للمسؤولين محيرا في الأردن. هي في الواقع ظاهرة حديثة نسبيا، فلعقود طويلة مضت كان الموظف العمومي وزيرا أو أدنى درجة وظيفية يتموضع في صفوف الطبقة الوسطى. لكن حصلت متغيرات كبيرة في وقت لاحق، بعضها طبيعي وبعضها غير طبيعي أبدا.

بطبيعة الحال، لم يكن جل مسؤولي أيام زمان من نفس الطينة، فالوقائع والوثائق المتوفرة تفيد بأن صفا عريضا من المسؤولين استثمر على نحو فادح وظيفته الرسمية دون رقابة أو مساءلة.

إنشاء هيئة مكافحة الفساد ساهم إلى حد كبير في ردع ظاهرة الفساد، لكن يد الهيئة ظلت مقيدة بالقانون. وفي وقت لاحق أيقنت الدولة أن تقديم إشهار الذمة ليس كافيا وحده لمراقبة المسؤولين، فقد اقتصرت الصلاحية على فتح الملفات في حال ورد اسم أحدهم في قضية محل تحقيق وتدور حولها شبهات الفساد، بينما يمكن لغيرهم أن يمضوا في التربح غير المشروع دون انكشاف أمرهم، فكان لا بد من تعديلٍ يسمح بالرقابة المسبقة والدائمة على ثروة المسؤولين.

لم يفصل التعديل المقترح أشكال مراقبة النمو غير الطبيعي للثروة، لكن يمكن تحديد ذلك بالتعليمات أو بإضافات أكثر على نص المادة بعد إحالتها إلى مجلس النواب. والمطلوب ببساطة منح الهيئة حق الولوج لحسابات المسؤولين البنكية، ووضعها تحت نظام رقابة وتتبع دائمين بمن فيهم أعضاء مجلس الأمة، ومتابعة المتغيرات على ملكياتهم من الأصول والعقارات والأراضي وأسهم الشركات، هم وأصولهم وفروعهم. وهناك توجه رسمي لدى أوساط رسمية لكشف المتغيرات على ملكيات وثروات الوزراء بشكل علني، ولا نعلم إن كان هذا في سياق تعديلات قانون مكافحة الفساد أم عملية مستقلة تحكمها تشريعات أخرى.

ليس مطلوبا لإنجاز هذه المهة غطاء قضائي، فالقانون في حال إقراره يمنح حقا مطلقا لهيئة مكافحة الفساد للقيام بهذا الدور.
وينبغي أن تشمل عملية التتبع أي تحويلات مالية لبنوك خارجية، أو تملك أصول في دول أخرى. وأعتقد أن مهمة بهذا التعقيد تحتاج لإدارة مختصة في الهيئة، يتولاها أصحاب خبرة وكفاءة في المجال المصرفي وربما من كوادر البنك المركزي المعروفين بجدارتهم.
يساهم هكذا تعديل في إحباط عملية الفساد قبل تغوّلها وكشفها مبكرا بدل استفحالها واستمرارها.

أما ما بات يطلق عليه ظاهرة المال الأسود في الانتخابات، فإن شمولها في نطاق قضايا الفساد يجعلها أكثر خطورة على مرتكبيها. الظاهرة كما هو معلوم استفحلت في الانتخابات وداخل المجالس النيابية أيضا ولم يعد بالإمكان السكوت عليها، لأنها طبعت صورة الانتخابات في أذهان الجمهور، ودمرت سمعة العملية الانتخابية وأضرت بمصداقية النواب.

المطلوب ليس تعديل التشريعات فقط، بل توفر الإرادة لدى هيئات إنفاذ القانون بملاحقة الفاعلين ومحاسبتهم وردعهم دون تردد، لإنقاذ سمعة الانتخابات النيابية في بلادنا.