الثلاثاء 19-01-2021
الوكيل الاخباري

الغذاء والدواء.. سياسات طوارئ



استفزنا الخبر عن مضاد فيروسي يباع عندنا بمبلغ 170 دينارا فيما يباع في تركيا بخمسة وثلاثين دينارا. وسوف نسمع التبريرات عن انخفاض سعر الليرة التركية ورخص التصنيع التركي لأدوية دولية. وهذا غير مقنع لتبرير الفارق الهائل. وأول أمس اعلن مدير عام الغذاء والدواء د. نزار مهيدات عن خفض اسعار وصل الى نسبة 70 ٪ على بعض الأدوية ولا بدّ ان هامشا للربح بقي حتى بعد هذا التخفيض. وكان الملك شخصيا قد طلب العام الماضي تحقيق خفض ملموس على الأدوية. وكنا في حينه اثرنا الى جانب ذلك فضيحة قطع وتراكيب صناعية للمفاصل وغيرها تباع باسعار خيالية ولا تسعيرة رسمية لها في الغذاء والدواء وايضا حقن خاصّة وعلاجات يطلبها الطبيب المختص أو يبيعها هو للمريض مباشرة باسعار خارج كل رقابة. ونأمل ان تكون المؤسسة قد قامت بعملها وغطت الثغرات وفرضت رقابة مشددة في هذا المجال.
اضافة اعلان

العاملون في القطاع الصيدلاني يرونها حملة ظالمة، ولامني «زملاء» باعتباري صيدلانيا على مقال سابق يهاجم الارتفاع الفاحش لاسعار ادوية مستوردة. وأنا عملت في التسويق الدوائي في الثمانينات وكانت الأمور مختلفة والتسعير يتم بمعايير حازمة والاسعار عندنا أقل من معظم البلدان بما في ذلك العربية لكن نفوذ مستوردي الدواء ظلّ يتزايد وتعدلت معايير التسعير حتى بتنا من اغلى الدول. وفي الثمانينات حتى المواد شبه الطبية كانت تخضع لتسعيرة رسمية والتجار راضون ويعملون حتى تم تحرير الاسعار قفزت الاسعار عدة اضعاف بضربة واحدة.

لا نقول بالعودة عن تحرير السوق وحرية التسعير لكن في قطاعات وفي ازمنة معينة هناك مسألة أمن اجتماعي ومصلحة عليا تستوجب لجم منطق الربح وأسوأ من ذلك تجارة الحروب. ولنأخذ مثالا فحص الكورونا الذي بدأ بسبعين دينارا وانتهى بخمسة وثلاثين ثم اليوم بخمسة وعشرين دينارا حسب آخر قرار لوزير الصحة، وحسب علمنا فكلفة المواد لا تزيد عن عشرة دنانير ومع اضافة كلف التشغيل والربح لا يجب ان تزيد عن عشرين دينارا.

الدولة يجب ان تتدخل بقوة في أزمنة كهذه لحماية الناس والاقتصاد من العبث والجشع وقد تحدثنا في مقال سابق عن قطاع المستشفيات الخاصة. ولا يجب النظر الى تدخل الدولة باعتباره دائما كابحا للسوق ومعيقا للنمو، فالمبالغة بالاسعار والجشع هو اكبر مخرب للسوق ومحبط للنمو. والقصد من التدخل هو محاصرة التصرفات الخاطئة التي تضع مصالح ضيقة وارباحا سريعة فوق المصلحة بعيد المدى للسوق والاقتصاد. نريد مثلا تدخل الدولة لدعم الصناعة الدوائية المزدهرة جدا عندما تواجه معاملة غير عادلة في الخارج وقد قال لي صديق في القطاع ان تسجيل دواء اردني في مصر عملية مضنية تقارب الاستحالة بينما تسجيل دواء مصري في الاردن يمشي بسلاسة وفقا للانظمة والتعليمات.

نركز الآن على قطاعين انتاجيين مركزيين لمرحلة كورونا وما بعدها هما الغذاء والدواء. ودور الدولة هنا ليس الرقيب البيروقراطي لتطبيق القوانين والانظمة والتعليمات بل استخدام سلطتها ومقدراتها بكل ديناميكية لدعم وانجاح هذا التوجه.

 وعلى سبيل المثال وبمناسبة موسم الزيتون فالتعليمات تقضي بالسماح بتنكتي زيت هدايا تدخل الاردن مع كل فرد قادم من الخارج. وعلى ذمّة الراوي دخلت العام الماضي مئتي الف تنكة زيت ضربت بقسوة الموسم الزيت وقد كان وفير الانتاج! واثلج صدري قبل ايام وزير الزراعة حين اعلن قرارا وطنيا حازما وحاسما بمنع ادخال ولو تنكة زيت واحدة على البلد خلال الموسم الحالي، أي من الآن وحتى نهاية العام.