الأربعاء 19-02-2020
الوكيل الاخباري



انتقام إلهي




كلما حلت كارثة في شعب من الشعوب، خرجت قلة من المسلمين، لتقول ان الله انتقم من الصينيين، لأجل خاطرنا، وان الانتقام الإلهي ممن يستهدفنا، يفسر كل كارثة تقع.

بداية من الوباء الذي حل بالصين انتقاما، مما يفعله الصينيون بمسلمي تركستان الشرقية، وصولا الى أي إعصار يضرب نيويورك او واشنطن، ويكون تفسيره انتقاما لشهداء العراق، او أي حريق يقع في غابات فلسطين المحتلة، فيكون انتقاما من قصف غزة، وهكذا يصر العقل العربي والمسلم، على ان كل كارثة تقع في الأمم الأخرى، نتيجة طبيعية، وتأتي انتقاما من اجل المسلمين، وثأرا لهم، دون غيرهم من الأمم.

ربما أصبنا بعقدة شبيهة بعقدة اليهود، عقدة شعب الله المختار، او ان بعضنا يفهم قول الله عز وجل في القران الكريم ” كنتم خير أمة أخرجت للناس” بطريقة غير صحيحة، كون هذا التوصيف كان مشروطا بـ” تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” بما يعنيه الاشتراط من معاملات واخلاق وقواعد حياة، وأغلبها غائب حاليا.

لا أحد ينكر قدرة الله على الانتقام، لكن أنا هنا أسأل عن الذهنية التي تفسر كوارث الشعوب بكونها تقع خصيصا انتقاما من اجل خاطر المسلمين وحسب، فيما تقع ذات الكوارث بين المسلمين، مثل طاعون عمواس في بلاد الشام، الذي رحل فيه أبو عبيدة الجراح، وضرار بن الازور، المدفونان في غور الأردن، ومعهما اكثر من ثلاثين ألفا من الصحابة والمسلمين، في عهد خلافة سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وأرضاه ؟.
هذه الذهنية نراها حتى في معاملات الافراد الشخصية، فالبلاء الذي يقع على شخص لا تحبه، يتم تفسيره، بكونه كان ظالما او انه تسبب بأذى لك، او أنك دعوت عليه، فاستجاب الله لدعوتك، فيما البلاء الذي يقع عليك شخصيا، يتم تفسيره، بكونه اختبارا إلهيا لنقاء جوهرك الديني، ومجرد بلاء تكسب الثواب بسببه اذا صبرت.

في قصة الصين، لا أحد منا لا يتعاطف مع مسلمي تركستان الشرقية، إذ إن رابط الدين يبقى متصلا بيننا وبينهم، وهم مثل ملايين المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد البشع في دول كثيرة، في هذا العالم المتسلط، لكن بالله عليكم كيف يمكن ان يكون الوباء في الصين انتقاما إلهيا وثأرا من اجل المسلمين، وهو قد يتسلل الى مائة مليون صيني مسلم، بمن فيهم مسلمو تركستان الشرقية، فوق احتمال انتقال الفايروس الى العالمين العربي والإسلامي، فماذا سنقول لحظتها عن طريقتنا في التفكير؟!.

الأدهى والامر هنا اننا نتعامى عن كوارثنا وسط شماتتنا ببقية الأمم، ولا نصحو على الحقيقة التي تقول ان مئات ملايين العرب والمسلمين، من الاميين، لا يكتبون ولا يقرؤون، هذا فوق تفشي القتل، والظلم، والحروب والصراعات وتشرد الملايين، والفساد المالي، والسرقة، والفساد الأخلاقي، وتردي التعليم والصحة، متباهين على الأمم، غير مفرقين بين الاعتزاز بالتوحيد كقيمة عظيمة وعليا، وبين طريقة حياتنا الدنيوية، وهي طريقة سيئة، فنحن حاليا في آخر سلم الأمم، فتسأل نفسك عما تقوله عنا الأمم، اذا قبلنا مبدأ الشماتة بهذه الأمة او تلك، خصوصا، ان مبدأ الانتقام او العقاب الإلهي على صحته، ليس انتقائيا، بل يتنزل على المسلمين، أيضا، والأدلة على ذلك كثيرة.

هذا الكلام، ليس تبريرا لأحد لظلم المسلمين، فقد تعب المسلمون من الظلم وسفك الدم، لكنه يتقصد تصحيح الطريقة التي نفكر بها، خصوصا، ان منطقتنا تتعرض أيضا لكل أنواع الكوارث من الفيروسات، مرورا بالزلازل، وصولا الى الأحوال التي نعيشها حين يسقط في دول الربيع العربي ملايين الضحايا مقارنة بعدد ضحايا فيروس الصين.

ثم ماذا ستقولون اذا خرجت الصين غدا، بلقاح ينهي هذا الفيروس، ام سيتقول بعضنا أيضا على الله، ويقول ان الله يريد منحهم فرصة جديدة، لعلهم يرجعون، او يتوبون؟!
مصيبتنا في أنفسنا، أولى أن تنسينا غيرنا، وان نبحث عن حل لما نحن فيه.