السبت 06-06-2020
الوكيل الاخباري



ذكريات رمضان ( 4)




يرتبط أهل الأردن بالجيش ارتباطا مشيميا لا ينفك ولا ينقطع. كل بيت له ارتباط بالجيش بشكل مباشر أو غير مباشر.

كان في بيتنا ثلاثة من العسكر هم عمي جعفر وأخي علي وخالي عبد الحليم مزعل مشري. واحمد بن صالح الداودية زوج شقيقتي جميلة. وعيسى فلاح الشهوان العجرمي زوج شقيقتي صباح.

وانا درست في المدرسة العسكرية بالمفرق التي كان مديرها عادل محمد حسن، أفضل من مرّ عليّ من المدرسين. وكان من زملائي في الصف السابع معالي المهندس سعد هايل السرور رئيس مجلس النواب الأسبق لعدة دورات.

كان الصديق الضابط الكابتن فراج عيد فراج الدبابنة يمر في شوارع المفرق، وهو عائد من قاعدة المفرق الجوية عصرا، والنجوم تتلاصف على بدلته العسكرية السماوية، فتنخلع قلوب الصبايا، ويستحوذ مشهدُه وقيافتُه على اهتمام الشباب وغيرتهم وحماستهم.

كانت الجندية مثار إعجاب الشباب العربي المهجوس بالثأر من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

قدمت قاعدة المفرق الجوية العديد من الشهداء: الطيار المقاتل الرائد فراس محمد علي العجلوني. الطيار المقاتل الملازم الأول موفق بدر السلطي. والطيار المقاتل عامر احمد ظاظا شقيق الشهيد الطيار الحربي بدر ظاظا.

قدمت المفرق زين الشباب شهداء: المقدم محمد صالح شويعر.

الملازم مروان عبدالكريم شداد قطيشات.

الملازم فرحان محمد سلامة الحسبان، النقيب الطيار المقاتل حسين أحمد حسين بصبوص.

الملازم عادل جعفر الجعافرة. والفدائي صلاح الدين الداغستاني.

وبرز من المفرق العسكريون إبراهيم الصايل الحسبان وزير التربية والتعليم في الحكومة العسكرية. وزملائي في ثانوية المفرق: مصطفى الصايل الحسبان وفيصل عبدالرؤوف الدحلة ومحمد مقبل قسيم ودكتور القلب الألمعي فارس شاكر الدغمي.

ما كان ممكنا استذكار كثير من الأسماء في هذه السردية العفوية، التي اكتبها يوما بيوم، لو الاستعانة بالذاكرة الأشد شبابا وحيوية، الذاكرة التيرابايت، لا بل اليوتابايت، ذاكرة الفيل صديق الطفولة والكهولة عبد المهدي علي التميمي، القارئ المحرابي المتبتل.

أرسلت الى عبد المهدي رسالة من قرية مجرا بالكرك حيث كنت معلما فيها بصحبة الأستاذ الصديق جليل الهلسا بتاريخ 1968.12.4 ولما زرت عبد المهدي وجدته ما يزال يحتفظ بالرسالة وبكل ورقة وقعت عليها يده منذ صغره !!

كانت أول دراما بوليسية أتابعها هي عندما هاج أهل المفرق وماجوا وهم يرون الشرطة ورجالا بملابس مدنية، يلقون القبض على المصور الثلاثيني صاحب ستوديو ركس.

لم تتوقف سهرات الصخب، التي كانت شقيقته الحسناء تقوم على خدمة ضيوفها، في بيته الواقع خلف البلدية.

كان ذلك سنة 1963.

همس لنا الضابط وهو يوشك أن يصعد السيارة العسكرية التي ترافق سيارة الاعتقال: هذا الكلب جاسوس يهودي !!

قال لنا الكابتن فرّاج: كان حتميا وجود جاسوس إسرائيلي في مدينة المفرق لوجود عدة معسكرات وقاعدة جوية فيها، بناها الإنجليز عام 1931.

أنا وكل المفرق تصورنا عند ستوديو ركس أو عند ستوديو فريد عبد اللطيف جرار.

وحلت بالمفرق دراما ثانية. صوت انفجار هز البلدة الوادعة صباح أحد أيام ربيع 1964.

انفجرت حقيبة ديناميت مهربة من سوريا عن طريق أحد موظفي جمارك الرمثا.

تحطمت نوافذ منزل العميل، القريب من سينما بغداد، مقابل محلات ابو سليم شعفوط، فكشفت مخططا تخريبيا دبره جهاز مخابرات الجمهورية العربية المتحدة برئاسة عبد الحميد السرّاج.

سألنا ضابطا شابا عما يجرى فقال ان الانفجار وقع داخل المنزل، لأن زجاج النوافد تطاير من الداخل إلى الشارع.

اعتقل العميل، فكرّت مسبحة الاعتراف وجرّت أعضاء شبكة من العملاء جندهم عبد الحميد السراج.

لقد فضحهم رب العالمين ودرأ عن بلادنا تفجيرات دموية إرهابية.

سبق تفجيرَ المفرق، التفجيرُ الإرهابي الذي وقع في مبنى رئاسة الوزراء صبيحة يوم 28 آب 1960 وأودى بحياة الشهيد هزاع المجالي رئيس الوزراء وجمال عطوي المجالي شيخ مشايخ الكرك وزهاء الدين الحمود وكيل وزارة الخارجية وعصام التاجي مدير السياحة وممدوح اسحاقات مدير مكتب الرئيس وعدد من رجالات الوطن وموظفي الرئاسة.

ولحق بتفجير المفرق، تفجيرُ سيارة مفخخة في الرمثا يوم 21 ايار 1967 أودى بحياة 14 شهيدا.

خلفتُ السفير عبدالحميد سِراج، سفيرا لبلادي في المملكة المغربية.

ولهذا السفير العالِم، قصص طريفة حصلت له في عدة مطارات بسبب تشابه اسمه مع اسم عبد الحميد السرّاج مدير المخابرات السورية من سنة 1955 إلى سنة 1961، الذي كان يلقب بالسلطان الأحمر لقسوته وشدته.

ولما كان السفير (سِراج) يُسألُ عن الفرق بينه وبين مدير المخابرات (السرّاج) كان يقول ذاك نكرة احتاج إلى أل التعريف.