الثلاثاء 24-11-2020
الوكيل الاخباري

ذكريات 28



مع بداية غروب شمس رمضان الاثير الاثيل، اشعر أنني يجب ان ابدأ في العد العكسي لنشر هذه السرديات.

أشعر انني «طبلتكم» بذكريات الزمن الغابر. ولطالما خشيت أن أكون قد اثقلت وأطلت، إلا إن الأصدقاء الذين تابعوا هذه السرديات ظلوا يلحون عليّ بان أواصل. وكان للتعليقات على صفحتي على الفيسبوك، دور في الاستمرار ومواصلة الكتابة.
اضافة اعلان

وقد استغربت واندهشت كيف يهتم أبناء الجيل الجديد بتلك المعاناة التي مر عليها نصف قرن.

لقد تلقيت ملاحظات واقتراحات وتصويبات مهمة من أصدقاء كثيرين، في مقدمتهم دولة عبد الكريم الكباريتي والدكتور صائب عريقات والدكتور زياد فريز والدكتور محمد الذنيبات والدكتور جواد العناني والدكتور محمد الحلايقة والدكتور ممدوح العبادي والدكتور منذر حدادين وسميح باشا البطيخي والمخرج صلاح أبو هنود والشاعر سعد الدين شاهين والدكتور حسين العموش والأستاذ أسامة الرنتيسي والدكتور أسامة تليلان والدكتور سليمان البدور والدكتور عبد القادر الطورة والدكتور منذر لطفي والمهندس بادي الرفايعة والأستاذ باسل الرفايعة والدكتور منير الشواقفة والدكتور العبد العكايلة والدكتور عمر الربيحات والأستاذ علي الحراسيس والدكتورهشام القواسمة والدكتور عيسى الشديفات والكاتب عبد الله شاهين والأستاذ مخلص المومني والدكتور خليل الرفوع وعمر داودية. أما العون الأكبر فهو الصديق عبد المهدي التميمي ذو الذاكرة الأسطورية.

في مدرسة حمامة العموش، عملت عام 1973 بصحبة سميح شدّاد وإبراهيم السوقي ومصطفى الرابي واحمد العليمات. رأيت ذات يوم أن أجري تجربة لكشف بعض الخزعبلات. فاتفقت مع شاب من القرية، تنكّر على هيئة رجل طاعن في السن وحضر إلى غرفة الإدارة، جمعت الطلاب في إحدى الغرف وقلت لهم إن عرّافا ماهرا زارني وأريدكم أن تلتقوا به.

كان الرجل يعرف الطلاب بدقة شديدة. ويعرف بعض التفاصيل عن المعلمين فزودته بتفاصيل اكثر، دخل يتوكأ على عكاز وبادر احد المعلمين قائلا له: «انتم اثنين تجيبون النفع للدار». صرخ المعلم: نعم نعم أنا وشقيقتي.

وخاض «العرّاف» مع الطلاب فاصلا طويلا أذهلهم في معرفته ودقة معلوماته.

أجلستُ العراف في غرفة الإدارة ورجعت إلى المعلمين والطلاب المذهولين وسألتهم: هل أقنعكم الرجل؟ فأجابوا بالإجماع: نعم.

ناديت «العرّاف» وطلبت منه ان يزيل اللحية المستعارة والضمادة التي على عينه والنظارة والفروة التي يرتديها والعكاز. فلما فعل، خمد حماس الطلاب وأدركوا أن الخداع ممكن والى درجة كبيرة أحيانا وان «العرّاف» وهم و غش.

كانت المخافر والثكنات العسكرية هي أول التعليم في الأردن. فقد تم اعتمادها واعتماد «المعلمين المتنقلين» في بداية الثلاثينات، لتعليم الجنود وتدريسهم وإزالة أميتهم، وسط إقبال كثيف على «فك الحرف» الذي كان لغزا.

وقد سبق بلدَنا في أسلوب «المعلمين المتنقلين»، الثائرُ الأسطوري ماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية العظمى ضد الاستعمار الياباني، الذي استحدث عام 1949 أسلوب «الأطباء الحفاة»، وهم الأطباء الذين انتشروا يخوضون حمأة مزارع الأرز في بر الصين الشاسع الكبير، لمعالجة القرويين مجانا في قراهم.

وتولى الجيش عبر مدارس الثقافة العسكرية تبعات وأعباء التعليم في المناطق التي لا تتمكن وزارة التربية والتعليم «وزارة المعارف آنذاك» من الوصول إليها، أو بهدف تعليم أبناء العسكر الذين سيصبحون عسكرا يرثون الشعار والبوريه من آبائهم. فتم إنشاء مدرسة القويرة وكلية الشهيد فيصل عام 1946 ومدرسة النصر- مدرسة الثورة العربية الكبرى عام 1949.

درّسَنا في المدرسة العسكرية الهاشمية في المفرق، معلمون عسكريون من مختلف الرتب، برئاسة ضابط دمث طيب هو الملازم عادل محمد حسن.

ولن أنسى عندما زار مدرستنا عام 1962 عثمان بدران مدير الثقافة العسكرية، المجاهد الكبير في فلسطين، الذي حمل لنا حلوى «الككس» التي رأيتها للمرة الأولى ونالني منها حبة كاملة.

كانت المدارس العسكرية تتميز بالجدية والضبط والربط. وكان الطلاب كأنهم جنود في ثكنة عسكرية. وقد صقلت شخصيتي كثيرا السنواتُ الأربع التي درستها في تلك المدرسة، السادس والسابع والثامن والتاسع ( 1959-1963). عام 1963 قدمت امتحان الثالث الإعدادي العام على مستوى المملكة، وأظن أنني أحرزت علامات عالية جدا فيه.

كان المعلمون أول الطلائع الأردنية المباركة التي رادت القرى، قبل الصحة والطرق والهاتف بسنوات، وقد أسلفتُ ذكر المشاق والقسوة والصعوبات والظروف التي عمل فيها المعلمون والمعلمات دون تبرم أو تذمر. ولما سردت لجدي ما الذي كنا نعمله من غسل وبح وكوي وكنس وطبخ وجلي وعجن وخبز وتحطيب ونتف ريش الشنانير التي نصطادها وذبح الخراف التي نشتريها وسلخها وتقطيعها، قال ضاحكا: كل شي عملتوه، ما ظل غير ترضعوا !!

غبت عن المدرسة أسبوعين دون علم أهلي، كنت اخرج صباحا والتقي بصديقين فارين مثلي فننطلق إلى تسلق الأشجار ولعب كرة القدم وتقليد الهنود الحمر في زعيقهم ورمي السكاكين وصنع الرماح.

سمعت طرقا على الباب وكان الوقت عصرا ولما فتحته امي سمعتُ صوت رجل يتحدث معها، ميّزتُ صوتَه، هذا مدير مدرستي عادل محمد حسن !

عندما علم أنني في المنزل رفع صوته ونادى عليّ طالبا أن يراني، كانت أمي مصعوقة بسبب غيابي عن المدرسة، دخلت ودموعها على عرض وجهها.

قال لي المدير: ارجع إلى مدرستك من الصبح. قلت: ولكنني سأتعرض للعقاب. قال: هالمرّة سماح يا محمد، ما في معلم رح يحكي معك، ارجع على كفالتي.

كانت على المعلم مسؤوليات تتعدى غرفة الصف وتتجاوز سور المدرسة، مسؤوليات تتنوع وتتوزع على مختلف شؤون الحياة الخاصة بطلابهم.

كنت في الصف الثالث الإعدادي، حين قررت أن اترك المدرسة وان أسجل في الجيش، حيث اللحوم والتطلي والزبدة واللباس الرسمي الدافيء والراتب الشهري.

اتفقت مع فايق غديفان على الذهاب معا. استيقظت مبكرا على قرع فايق على الباب وعندما فتحت الباب لأغادر المنزل، فاجأتني أمي بسؤال: إلى أين في هذه الساعة المبكرة ؟

ذكرت لها أي سبب وخرجت.

كان الناس يدخلون كالنهر إلى معسكر «خو» قرب الزرقاء، أباء وأمهات يصطحبون أبناءهم للتسجيل في الجيش. يعبرون بوابة عرضها يزيد على عرض ملعب كرة القدم وعلى طرفها يجلس خفير يضع بندقيته على فخذيه، وهو شبه نائم.

عبرنا البوابة فإذا بالخفير يصرخ: انت انت ارجع. رجف قلبي، تجاهلته ولم التفت فلعله يقصد شخصا غيري. انت يا ولد أقلك ارجع. كان صوته غاضبا وكانت يده على كتفي وهو يقول: انت ما تسمع؟ أقلك ارجع.

عبر فايق ورجعت.

كنت الوحيد الذي رجع من بين مئات الشباب الذين يعبرون تلك البوابة العريضة. ناورت، مشيت مسافة طويلة وعملت حركة التفاف على زاوية شيك المعسكر، رفعته ودخلت من تحته وتوجهت إلى قاعات استقبال المجندين الجدد.

سمعت الخفير يصرخ: ارجع ارجع. توقفت. رأيته يصوّب بندقيته من بعيد نحوي وصرخ: اطخك إن ما رجعت. رجعت.

غادرت خو مكسورا ودموعي على عرض وجهي.

عندما فتحت لي أمي باب المنزل عصرا قالت لي: أنا لا اعرف إلى أين ذهبت يا محمد، وماذا كنت تنوي أن تفعل، لكنني رفعت كلتا يدي إلى السماء ودعوت عليك قائلة: الله لا يوفقك يا محمد في مشوارك اليوم !!

قلت لنفسي إن الخفير، الذي دقر لي وترصّدني واختارني من بين مئات الشباب، العابرين بوابة ليس لها خفير في العادة، وأرجعني لوحدي، دون أي مبرر أو سبب، ينفذ دعاء أمي !

وبعد نحو ستة أعوام التقيت بمديري الغالي عادل محمد حسن في وزارة التربية والتعليم أخذته بالحضن وعبرت له عن شدة احترامي له، كان على عجلة من أمره في طريقه إلى اجتماع، لكنه سألني سؤالا هزّني وما يزال إلى اليوم يهزني ويثير استغرابي وحيرتي:

ألم تسجل في الجيش يا محمد؟ قلت له: رجّعوني. ما سمحوا لي. ابتسم ابتسامة غامضة ومضى.

ما الذي حصل آنذاك ؟

اهو دعاء أمي بان لا يوفقني الله في مشواري ؟

أم هو مديري عادل الذي المح الماحة هائلة تدل على معرفته بما عزمت عليه وما حصل معي.

هل هو من كان في سيارة الجيب العسكرية التي مرت بقربنا والتي لمحت فيها، من خلال غبارها الكثيف، ضابطا يشبهه وأنا في الطريق إلى معسكر «خو».

عاد فايق بعد شهرين وهو يرتدي «البدلة» العسكرية والطماقات والقايش والبسطار والبُريه التي يزينها شعار لامع. كانت محفظته عامرة بالليرات، جعلني زيُّ فايق ومحفظته في ذروة استيائي وسخطي على أمي وكانت المرارة تملأ حلقي. وسيطر علي الغيظ والغضب لشهور.

لعب المعلمون أدوارا كبيرة في حياتي وجمعتني بهم صلات طيبة وسأظل اذكر العصامي الجاد معلم اللغة الإنجليزية خلف الناطور المخزومي (أديت واجب العزاء به يوم الثلاثاء 13 تشرين الثاني 2018 في ديوان المريّان ببلدة ايدون). والاستاذ الحشم عبد الله تليلان معلم الرياضة المحترف المخلص وعادل الشريقي وأبو علاء الداغستاني والدكتور ذوقان عبيدات الذي درّسنا في معهد التأهيل التربوي وتبادلت معه الكتب في حينه، وعشرات المعلمين الذين ستستردهم الذاكرة ولو بعد نصف قرن.

عندما أصبحت صحافيا بحثت عن عثمان بدران وأجريت معه لقاء حدثني فيه عن ذكرياته وتاريخه الجميل النبيل، نشرت ذلك اللقاء على صفحة كاملة في صحيفة «صوت الشعب» تحت عنوان «وجها لوجه».

وعندما أصبحت وزيرا للشباب بحثت عن عبد الله تليلان وتمنيت عليه أن يقبل عضوية مجلس إدارة اللجنة الأولمبية الأردنية، فقبل. وبحثت أيضا عن المبدع ذوقان عبيدات وتمنيت عليه أن يقبل موقع أمين عام الجنة الأولمبية الأردنية، فقبل.

لقد اغتنمت ـولا أقول انتهزت- الحظر الذي فرضه الكورونا عليكم، وحلول شهر رمضان الحبيب، فاعتمدت هذا اللون من الكتابة، كي اتخفف في مقالتي اليومية من شتم و سب الكورونا ونتنياهو وغانتس. فيالكثرة الزملاء الذين يقومون بهذا الواجب الوطني والقومي.

لقد حاولت التخفيف عليكم وعرض عناصر قوة بلادنا وصفحاتها المجهولة. وجائزتي أن أكون أفلحت.