الأربعاء 03-06-2020
الوكيل الاخباري



كيف اختبرنا الجيش العربي في الميدان؟




مرّ زمان طويل لم نشهد فيه انتشار الجيش العربي في الشوارع، بهذه الكثافة ولفترات طويلة نسبيا. في السنوات الأخيرة اعتدنا على متابعة القوات المسلحة الأردنية عن بُعد وهي تتولى بجدارة حماية حدودنا، والدفاع عن أمننا الوطني بالشراكة الوثيقة مع الأجهزة الأمنية المختصة.

وبخلاف دول كثيرة في عالمنا الثالث، فإن نزول الجيش العربي إلى الشارع يمنح المواطنين الثقة بالنفس وبالنظام السياسي، وبقدرة الدولة على حماية شعبها، بينما الحال مختلف تماما في دول كثيرة، تتورط فيها جيوش بسفك دماء الناس، وتقويض الاستقرار، وحكم الشعوب بالحديد والنار.

الجيش العربي منذ تأسيس الدولة الأردنية، كان الحارس الأمين للشرعية السياسية والحلقة الأصلب في منظومة الدولة وعلاقاتها مع الشعب. حمى كيانها السياسي، وحدودها وشعبها، وانتصر لقضاياها المصيرية، وطبق على نحو نموذجي مبدأ التباعد العسكري عن السياسة والسياسيين، وظل أمينا على شعاره: “الله الوطن المليك”.

كمدنيين، لم نكن نعلم على وجه الدقة كيف هو حال العسكرية الأردنية التي عهدنا لفترات تاريخية سابقة انضباطها وحرفيتها ومناقبيتها العالية. أزمتنا الأخيرة مع الوباء سنحت الفرصة لمعاينة الجندي الأردني عن قرب، وهنا أتحدث عن مشاهداتي كبقية زملائي الإعلاميين الذين يتابعون عن كثب الأحداث وحضور المؤسسات في الميدان.

على المستوى الفردي، الجندي الأردني ما يزال كما هي صورته في أذهاننا، جاهزية عالية، ولياقة لافتة، وهندام عسكري رفيع، ووقفة مهيبة يؤدي واجبه بدقة واحتراف، ويدرك بحس عال المسافة المطلوبة في العلاقة بين المدني والعسكري.

تسكن الطمأنينة قلبك عندما تقترب من دورية الجيش العربي، ولا يخالجك أي شعور بالقلق والخوف، الذي نسمع عنه في علاقة العسكريين مع المدنيين على الحواجز ونقاط التفتيش.

ومنذ بدء تطبيق أوامر الدفاع الحكومية تولى الجيش العربي تنفيذ مهمات كثيرة وأشرف على عمليات عزل مناطق ومدن أكبرها في إربد. العمليات تمت بإتقان لا مثيل له ودون أي خطأ، أو إشكال ميداني، بالرغم من التفاصيل اللوجستية المرهقة.

أشرف الجيش على تجهيز حملات المساعدات للمحتاجين، وتابعت في تقارير تلفزيونية الطريقة المنظمة في تجهيز الطرود وترتيبها، وضمان توزيعها دون فوضى. مثلما تابعنا جميعا بإعجاب، عملية إخراج آلاف من المحجور عليهم في الفنادق ونقلهم إلى منازلهم، دون أن نسمع ولو شكوى واحدة. وكانت لفتة إنسانية رائعة عندما ودع الجنودُ المغادرين من الفنادق بالورود.

في الأوساط الشعبية، كان حضور الجيش في الميدان بعد فترة وجيزة على تحول كورونا إلى أزمة وطنية، عنوانا للثقة بقدرة الدولة والمجتمع على تجاوزها. لقد سادت حالة من الارتياح العام تزامنت مع شعور عميق بالتقدير لدور الحكومة في إدارة الأزمة والقرار الحكيم باعتماد المركز الوطني لإدارة الأزمات، موقعا للعمليات وخلية إدارة الأزمة.

ومن الجدير ذكره هنا، أن مركز إدارة الأزمات بكل ما يتمتع فيه من قدرات ومهنية عالية، هو نتاج المؤسسة العسكرية الأردنية، فكل من تولى إدارته منذ التأسيس هم من خيرة ضباط القوات المسلحة.

خلاصة القول، مؤسسات الدولة العميقة في الأردن التي كيلت لها الاتهامات مرارا من طرف تيارات أردنية “حداثية”، هي اليوم التي تتحمل مسؤولية إدارة الأزمة بنجاح، مثلما فعلت دائما في كل المنعطفات التاريخية التي واجهت بلادنا.