الخميس 14-11-2019
الوكيل الاخباري



ماذا قال طبيب الفقراء!




آلاف مؤلفة، خرجت من مدينة اربد، وقراها، ومخيمها، من اجل توديع طبيب الفقراء، الدكتور رضوان السعد، ابن مخيم اربد، الذي كان يعالج الفقراء، مقابل ربع دينار، ثم رفع المبلغ إلى دينارين، فقط، بعد احتجاج أطباء منافسين، وقد كان مضطرا هنا، وقد استقبل في عيادته وطوال أربعين عاما، عشرات الآلاف من اربد وما حولها.

حين يخرج الآلاف وراء رجل واحد، الآلاف من شتى المنابت والأصول، ومن مناطق مختلفة، المدينة والقرى والمخيم، يصلون على الرجل، ويشاركون في وداعه الأخير، فهم يرسلون رسالة مهمة جدا، إلى كل واحد فينا، فالناس من حيث المبدأ لا يهمها الأصل والمنبت، بل يهمها ما يفعله الانسان، وعلى أساس سلوكه، يتم تقديره أو عدم تقديره، وقد رأينا في حالة الرجل، ان انسانا صلبا ملتزما كان مؤمنا بالقضية الفلسطينية، ومنحازا لها، لم يميز بين الناس، ولم تكن له مشاريع إقليمية وجهوية وطائفية، استطاع ان يوحد الناس في حياته ورحيله، كيف لا، وقد انحاز إلى القيم العليا، قيمة الانسان، وقيمة العروبة ، وقيمة الانحياز إلى الفقير، وإلى مصالح الناس، وعدم المتاجرة بمهنته، ولا بموقعه ؟.

مثله لو ترشح للانتخابات، ربما فاز فوزا مؤزرا، لكنه على ما يبدو كان واعيا للقيمة الحقيقية، أي ان عليك ان تنحاز إلى الناس، دون ان تطلب الثمن لاحقا، مقابل الكشفية الطبية القليلة جدا، ومقابل الدواء، الذي قد يتوفر في عيادته ويقدمه للناس مجانا.

لم يتركه اهل الشمال، في رحيله، ولم يخرج احد ليقول ان الرجل قد رحل، وانه لن يعرف من صلى عليه، ومن لم يصل عليه، والناس هنا كانوا يرسمون صورة للوعي الحقيقي، مقابل الوعي الزائف، أي ايمان الناس بمن يحترمهم، ويقف إلى جانبهم، ولا يصاب بداء الوطنيات الزائفة، أو الضلالات الصغيرة، لعائلة، أو منطقة، أو مدينة، أو قرية، أو مخيم، فقد كان نموذجا في حياته، وأبرق برسالة اكبر في رحيله الأخير.

هذا يثبت ان معدن الناس، طيب واصيل، وان كل التشوهات التي نراها في حياتنا نتاج ظروف مؤقتة، ونتيجة للمتاجرة السياسية، أو لغايات الكسب السريع، دون ان يتنبه كل من ينتمي إلى هذه الفئات، انهم قد يربحون شكلا في الدنيا، لكنهم يخسرون في الآخرة، وان من يبقى فعليا، هو ذاك الذي يربح في الدنيا والآخرة، عبر هذا النمط، لرجل سمي بطبيب الفقراء، ويعرفه اغلب اهل اربد وقراها ومخيم اربد، أو أي منطقة أخرى.

في الأردن هناك منارات إنسانية، تستحق ان تروى حكايتها، وبين أيدينا في كل مكان أسماء تعمل لوجه الله، ولا يهمها شهرة ولا مال، وعلينا ان نـتأمل فقط، الفرق بين انسان مثل الدكتور رضوان السعد، رحمه الله، وبين أي طبيب لم يجعل في مهنته شيئا لله، أو حتى أي سياسي، لا ينال سوى سخط الناس، وشكهم فيه، أو أي مسؤول يدخل ويخرج وقد حلت عليه اللعنات لسبب أو آخر، والفرق في النموذج هنا كبير جدا.

الانحياز إلى الناس، الفقراء، والمساكين، والمظلومين، دون اجندات ودون تمييز، ميزة يهبها الله لندرة تدرك ان كل شيء زائل في هذه الحياة، ولا يبقى الا العمل الصالح، كما ان قصة وداع اربد وقراها ومخيمها لرجل تؤشر على حجم الوفاء في قلوب الناس، وانه ليس صحيحا اتهام الناس، بكونهم لا يركضون سوى وراء مصالحهم، إذ ان الفطرة الطبيعية، والطيبة والوفاء تجلت في ابهى صورها في مشهد وداع طبيب الفقراء، وبما يثبت ان الناس أيضا فوق الصغائر، والتقسيمات، لولا انهم في بعض الحالات، يعانون ممن يتاجرون بعناوين زائفة، تتنكر لما هو اكبر في هذا البلد العربي.

نكتب عنه بعد رحيله، ولم يكتب عنه احد، خلال وجوده، وهذا يكفيه، فلم يبحث عن شهرة، لكنه ابى في رحيله الا ان يتلو بيانا سياسيا يعيد عبره تذكير الجميع، بالحقائق الأساسية، دور كل واحد فينا تجاه الاخر، ودور كل واحد فينا تجاه المجموع، والفرق بين الانتماء، والتجارة، وان الدنيا لا تغني عن الآخرة.