الثلاثاء 16-07-2019
الوكيل الاخباري



إليك هذا الملف أيها الرئيس!





علینا أن نتخیل لو قرر مئات آلاف المطلوبین على خلفیة قضایا مالیة، تسلیم انفسھم للجھات المختصة بنفس الوقت، والمشھد الذي نتخیلھ ھنا، قد یدفع ھذه الجھات إلى توسل المطلوبین ان یختفوا وان لا یسلموا انفسھم.

أكثر من ربع ملیون شخص مطلوب للتنفیذ القضائي، وأغلب القضایا مالیة، ومئات آلاف القضایا أمام المحاكم واغلبھا مالي، والقضایا تتزاید، واعداد المطلوبین ترتفع یوما بعد یوم، ولا مكان في السجون أساسا لكل ھؤلاء، والسجون أساسا تفیض بمن فیھا، وھذا ملف آخر، بحاجة إلى أن یتم فتحھ لاحقا.

ھل یعقل أن تبقى التشریعات كما ھي بخصوص القضایا المالیة في الأردن، وكیف یمكن معالجة ھذا الوضع دون الاعتداء على حقوق الذین یطلبون مالھم، وبذات الوقت، عدم مس العدالة، وأیضا مراعاة واقع البلد الاقتصادي الذي وصل مرحلة صعبة جدا، بحیث بات أغلب الناس، یواجھون مشاكل مالیة، قد تتحول إلى قضایا، وأحكام قانونیة، وبالتالي التعمیم علیھم، كونھم مطلوبین عبر التنفیذ القضائي!

المفارقة ھنا تكمن في أن لا مصلحة للتنفیذ القضائي، ولا للجھات المختصة، في الوصول إلى كل المطلوبین، لان الوصول إلى كل الاعداد المطلوبة، یعني الحاجة إلى ستاد مثل ستاد عمان، ومثل مساحتھ عشر مرات، لجمع ھؤلاء في مكان واحد، وھذا یعني ان ملف المطلوبین على قضایا مالیة، ملف مثقل بتعقیداتھ، ولا یمكن ان یبقى ھكذا، بحیث یصیر صعبا على الدولة ذاتھا، تحمل كلفتھ.

لا أحد یدعو إلى التنازل عن حقوق الناس، لكن لا بد من حلول بدیلة، اقلھا تأسیس وتفعیل مراكز للمصالحات والتسویات المالیة، قبیل الوصول إلى القضاء، والمحاكمات، وتغییر التشریعات، بحیث لا یتم ارسال أي قضیة إلى المحاكم، إلا ضمن سقوف مالیة معینة، وشروط محددة، إضافة إلى تغییر النظرة القانونیة إلى الشیكات، وإیجاد بدائل معینة عنھا، والتفریق بكل قوة بین حالات النصب والاحتیال، وحالات التعثر وعدم القدرة على السداد، لان الفرق بین الحالتین كبیر.

الوضع الاقتصادي، یتراجع، وھذا یعني أن ھناك أعدادا إضافیة تنضم سنویا الى قوائم المطلوبین، وكما اشرت، فإن الدولة ذاتھا، لا تحتمل امتثال الناس للقانون وتسلیم أنفسھم، فلا مكان لتوقیفھم، ولا قدرة أساسا على إدارة وضعھم. 

الظاھرة الأخطر التي تم الحدیث عنھا مرارا، ولا أحد یرید أن یسمع، ظاھرة الأردنیین الھاربین إلى تركیا ودول أخرى، بسبب قضایا مالیة، وربما بعضھم یكون محتالا، لكن اغلبھم، متعثر مالیا، لم یستطع سداد دیونھ، فاضطر أن یغادر، وھو فوق ما ھو فیھ، تمنع الجھات الرسمیة تجدید أي وثیقة رسمیة لھ، كجواز السفر، من باب الضغط علیھ، حتى ینفذ الحكم المحكوم ضده، أو یسدد دینھ، لكن المفارقة تكمن في اننا نعاقبھ مرتین، الأولى بھروبھ جراء التعثر المالي، والثانیة تحویلھ إلى مقیم مخالف للقانون في الدولة التي یتواجد فیھا، بحیث یتم حرمانھ حتى من الحصول على فرصة عمل، قد تساعده في سداد جزء من دینھ، او إدارة شؤون عائلتھ حتى یجد حلا لأزمتھ المالیة، فیسكت الجمیع عن ھذا الجانب الذي یعد خرقا للدستور، ولا جذر قانونیا لھ، وفیھ تجاوز على حقوق الإنسان، بكل ما تعنیھ الكلمة.

الجانب الأھم، في القضایا المالیة، ان سجن المدین، لا یؤدي إلى سداد الدین، فھناك عشرات آلاف الحالات، تم سجنھا، فتعثرت مالیا، بشكل إضافي، وفوق دینھا، تم تدمیر عائلة المدین، بحرمانھا من اقل حقوقھا، وكأننا ننتقم جماعیا من كل العائلة، ھذا إضافة الى ان سجن المدین، یمنع أي فرصة للمصالحة، او فرصة لا یجاد حل مالي، إذ كیف یمكن لسجین لا یعمل، ان یجد حلا لمشكلة، لم یجد لھا حلا وھو غیر سجین، وبھذا المعنى یخسر الدائن، فوق انھ یسرف في صلاحیات إعادة سجنھ، مرارا كلما خرج، ما دام الدین لم یتم سداده، وكأنھ مسموح ھنا للدائن ان ینتقم اضعاف المبلغ الذي لھ، بذریعة ان لھ حقا مالیا.

آن الأوان أن تصحو الدولة على ملف القضایا المالیة، بعد ان توسعت الظاھرة بشكل غریب جدا، وبحیث بات أغلب الشعب مطلوبا على خلفیات مالیة، وھذا وضع لا یمكن الاستمرار بالتعامل معھ بذات الطریقة.