الإثنين 16-12-2019
الوكيل الاخباري



حتى في إیلات رفضوا الكازینو




لست من المغرمين في تكرار الأحاديث واستجرار القصص المخزّية لإقناع الآخر بأن النار تحرق والطمع يردي صاحبه والنفاق يحرق وجه الرجل وأن الكازينولا يليق بنا، ولكن مع دعمنا للتعاطي مع تجارب الآخرين ممن تفوقوا علينا إقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وعسكريا، علينا أن نفهم ما الذي يجري حولنا، على الأقل من التجربة والخطأ الذي خاضته حكومات غير حكوماتنا لنرى هل نحن نفكر بطريقة صحيحة أم خاطئة، وهل نحن مستقلون أم مرتهنون.

لازال هناك من يجادل بقضايا حدثت في تاريخ حكوماتنا وسببت لنا المأزق الذي نعيشه اليوم ليدافع عمن ورطونا بهذا الجرف الهارّ الذي نتساقط من فوقه يوما فيوم، ولا زال هناك ترويج لمشاريع يعلم الجميع أنها فاشلة في استدرار أي مداخيل مالية للخزينة، وعلى رأسها فكرة الكازينو التي بشّر بها رئيس منطقة العقبة الإقنصادية نايف بخيت، وأنا متأكد أنه غير مقتنع بها أصلا، ليس فقط أن العقبة لا تزال مدينة الطيبين ووجهة الأردنيين الوحيدة كمتنفس سياحي بفضل شاطىء الغندور، بل لأن النشاط السياحي لا يزال ناشئا فيها، وأن الرفض «الشعبوي» يتجاوز محاولة الإقناع بأن إقامة مشاريع فوضوية لن تصلح ما أفسده مسؤولون أصروا على خصخصة الثروات ثم هاجروا الى بلاد أخرى وتركونا في الداومة.

يقول السيد البخيت في سؤاله الإستنكاري: ماذا لو جاءت سفينة بحرية وأقامت كازينو عليها؟ سؤال جيد، ولكن فكرته ليست جديدة، فقطب الكازينوهات الشهير النمساوي «مارتن شلاف» قدم طلبا للحكومة الإسرائيلية عام 2002 لإقامة كازينو على متن سفينة قبالة خليج العقبة وإيلات، وتم رفض طلبه رغم علاقته الوطيدة مع شارون، وقبل ثلاث سنوات أعاد بنيامين نتانياهو طرح فكرة إقامة كازينو في إيلات نفسها وفشل بإقناع أحزاب إئتلاف حكومته الذين عارضوه بشده، لأن غالبية الإسرائيليين يعارضون فكرة إقامة كازينو يزيد من ثراء الأغنياء على حساب الأغلبية الشعبية.

يضرب البعض، ممن يناطحون بقرون من طين، مدينة لاس فيغاس كمصدر دخل هام في سياحة المقامرة، والدلائل تشير الى خطأ نظريتهم، فالإحصائيات تثبت أن واردات كازينوهات لاس فيغاس الضريبة لا تتجاوز 18 بالمئة مقابل 72 بالمئة تدرها سياحة العائلات والعامة، وإن قارنا مداخيل حكومتنا من السياحة نجد أن ضرائب الملاهي الليلية لا تعادل نقطة في بحر الأفواج السياحية التي تأتينا من دول العالم بما فيها الخليج العربي وهي سياحة عائلية واستشفائية.

القضية هنا ليست وازع ديني كما يحلو لبعض الكتّاب والمستشرين والمدافعين عن الفكرة، بل القضية هي أننا بتنا عاجزين عن اجتراح فكرة واحدة لخلق مشاريع يتفق الأغلبية عليها للتشغيل وإدارة عجلة الإقتصاد، فالضرائب والمكوس بالآلاف والإعفاءات بالعشرات، والبيروقراطية الحكومية تنهش بقلب «السيستم» وتدفع المستثمرين الى الهروب، والأخطر أن الغالبية لم تعد تثق بالإجراءات بعد تاريخ من التفريط بمقدراتنا التي إقتات منها كثير ممن لا تربطهم أرض الدولة وتاريخها أي قيمة.. ليس للحديث بقية.