الجمعة 05-06-2020
الوكيل الاخباري



عصر التقشف




يتعاظم دور السلطة السياسية في الجوائح والحروب والأزمات، وبطبيعة الحال يزيد نفوذها، وتضعف معارضة سياساتها التي تكون غالبا إعادة ترتيب الأولويات واتجاهات الإنفاق العام وجمع الموارد العامة، وتتجه إلى التقشف وتقليل الإنفاق العام في مجالات وقطاعات تبدو عرضة للاستغناء عنها، وقد يبدو ذلك في بدايته مبررا ومؤقتا، لكنه غالبا ما يتحول إلى سياسات مديدة وواقع متكرس يصعب الخروج منه حتى عندما تنتهي الأزمة، فالظروف الطارئة بما يصحبها من خوف وقلق تنشئ ثقافة تقشف قاسية، وتستدعي ذاكرة عميقة وتاريخا متصلا من الأزمات والكوارث.

تعتبر المدرسة الكينزية (نسبة إلى جون مينارد كينز) الوصفة التقليدية للدول لترشيد الرأسمالية وبث الطمأنينة في الأسواق والمجتمعات، مثل أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وقوانين العمل والأجور، ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية في أواخر الثمانينيات كشف أن «الكينزية» لم تكن وصفة علمية مستقلة عن الواقع وتحدياته، لم تكن تطمينات بقدر ما هي خوف، الطمأنينة المعدة لمواجهة الخوف من الشيوعية!! وعندما لم تعد الشيوعية خطرا لم يعد ثمة حاجة للكينزية وضعفت كثيرا منظومة الاقتصاد الاجتماعي، وتغولت الشركات على الدول والمجتمعات والأفراد، وثبت في التاريخ والجغرافيا أن النمو الرأسمالي المستقل عن توازن المكونات السياسية والاجتماعية لا يوقفه غير الأزمات برغم خطورتها على الشركات والبنوك، لكنها تبدو نهاية حتمية مثل لعبة محكمة يصعب إن لم يكن مستحيلا الخروج منها!

لم تكن جائحة فيروس كورونا مجرد وباء لكنها تغلغلت في المنظومات العالمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ووضعت الأمم في مواجهة الذات، المؤسسات الصحية التي كانت تعاني من الضعف والترهل والعجز عن استيعاب «العملاء»، وشركات ومؤسسات التأمين الصحي التي تحولت إلى أنظمة جباية من غير تقديم خدمات لمشتركيها، وشركات أدوية تحولت إلى لوبيات أقوى من وزارات الصحة، وضعف قيم وتقاليد الطب والعلاج التي تخلت عن روايتها الإنسانية المنشئة، وفي التعليم ظهرت عيوب خطيرة في المدارس والجامعات والمناهج والعمليات التعليمية ليس أقلها الفجوة الهائلة بين واقع التعليم وبين أهدافه، وعجز الأساتذة والمناهج عن مواكبة التحولات الكبرى في المعرفة، وفي النتيجة فإن التلاميذ يذهبون إلى المدارس لكنهم لا يتعلمون، ولم تعد تكفي أرقام وإحصاءات الحكومة عن عدد التلاميذ في المدارس، إذ تبدي اختبارات الكفاية المعرفية ضعفا شديدا في التحصيل والمعرفة ومهارات وقيم الحياة، وشكوكا كبرى في مدى ومستوى تأهيل الطلاب للعمل أو لدخول الجامعات والتي تحولت هي نفسها إلى مجاراة الضعف والهزال في المخرجات التعليمية للمدارس.

وفي المنظومة الاجتماعية تبين أن كبار السن والمرضى والمعوقين لا يحظون بالرعاية اللازمة أو المكافئة للإنفاق الذي تبذله الحكومات والأسر، وأن نسبة كبيرة من المواطنين تعيش حالة من التهميش والإساءات وعدم المساواة.

كورونا تقرع جرس الخطر ليس فقط في الرعاية الصحية وضعف المناعة المتراكمة بسبب الإهمال وسوء التغذية وغياب النظافة والوقاية والتخلي عن الثقافة والعادات الصحية كما ضعف المؤسسات والخدمات الصحية والدوائية، ولكن أيضا في وجهة الإنفاق والسلوك الاجتماعي والبيئة المحيطة بالأسواق والأعمال، وتبين بداهة أن المواجهة ليست فقط عمليات وقاية وعلاج أو بحث عن مطاعيم وأدوية، لكنها مراجعة شاملة للمنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وإعادة نظر في كل شيء، .. العالم يمعن في التقشف، لكنه يفعل ذلك على سبيل الصدمة والمراجعة الإستراتيجية للأفكار والمؤسسات والأعمال، ما يجب فعله وما يمكن الاستغناء عنه، ويبدو السيناريو المستقبلي ببساطة أن كل ما أمكن الاستغناء عنه سوف يستغنى عنه إلى الأبد، وكل ما يمكن عمله أو إنجازه من خلال الشبكة أو من غير بنية مؤسسية سوف يبقى إلى الأبد.