الجمعة 13-12-2019
الوكيل الاخباري



لماذا لا نحيي جمعتنا السوداء؟




“الجمعة السوداء”في أصلها،لاتعني أحدا في العالم غير الشعب الأميركي.أزمة اقتصادية في القرن التاسع عشر كان من بين تجلياتها انهيار أسعار الذهب، وإفلاس رجال أعمال كبار.ذكرى ترسخت في التاريخ الأميركي فتحول يوم الكساد العالمي إلى مهرجان تخفيضات في الأسعار للتغلب على حالة الركود الاقتصادي وجذب المستهلكين.

الكارثة الاقتصادية تحولت إلى فرصة اقتصادية ومع مرور الوقت غدت تقليدا عالميا،بفضل قوة الثقافة الأميركية وهمينتها العالمية.
مدن وعواصم العالم على اختلاف مشاربها وتوجهاتها وأنظمتها تنخرط في مهرجان التنزيلات،فتغمر أسواقها أفواج من المستهلكين النهمين.

موسكو وبكين واسطنبول تشارك مثيلاتها من المدن الأميركية والأوروبية يوم الجمعة السوداء. في عالمنا العربي ثمة من يعترض على التسمية و إطلاق وصف السوداء على جمعة مباركة في مفهومنا الديني ولذلك أطلق عليها يوم الجمعة البيضاء.

بالنسبة للتجار، لافرق سوداء كانت أم بيضاء المهم أن يحضر المتسوقون بأعداد كبيرة لشراء البضائع.وهذا ما حصل فعلا في عمان تحديدا، حيث ازدحمت مراكز التسوق”المولات” والشوارع التجارية بآلاف المتسوقين، وسجلت حركة شراء عالية في اليومين الماضيين تعادل حجم التسوق في شهر وأكثر.

هي مناسبة بالفعل لتشتري عائلة احتياجاتها من السلع بنصف قيمتها،فتحقق وفرا يمكن استغلاله في أبواب إنفاق أخرى وما أكثرها.

الجمعة السوداء كما يعرف الجميع مناسبة أميركية، لكن في تاريخ كل شعب جمع سوداء لا بل سنوات جراء ظروف اقتصادية مشابهة، بيد أنها لاتتمنى تذكرها او تفكر بإحيائها مثلما يفعل الأميركيون.

بمعنى آخر قلة من الشعوب تتوقف عند المحطات الصعبة والمؤلمة من تاريخها وتحولها لنقطة انطلاق تتعلم منها دروس الأزمة وتستخلص العبر.

في تاريخنا الأردني الحديث على سبيل المثال ذكرى مشابهة للجمعة السوداء يوم صحونا على انهيار اقتصادي العام 1989 حيث فقد الدينار نصف قيمته واكتشفنا أن مخزوننا الوطني من الذهب الأصفر صفر مكعب.

شهدنا في ذلك التاريخ تحولا سياسيا واقتصاديا كبيرا في البلاد،لكننا لم نؤرخ ليوم الانهيار الكبير، ومررنا عليه في ذاكرتنا كحدث سياسي ليس إلا.

صحيح أننا تعلمنا دروسا كثيرة منه، فلم يعد احد يجرؤ على التلاعب باحتياطيات البنك المركزي من العملات والذهب، أو الاقتراب من الدينار وسعره الذي تحرسه عيون وطنية يقظة ومتحفزة،لكن القوى الاقتصادية والطبقة التجارية والصناعية لم تعرف كيف تبني سردية في أذهان الأردنيين لذلك الفصل المؤلم من تاريخنا.

لا نلومهم على ذلك التقصير، ففي بلدان كبرى تملك اقتصاديات ضخمة وعملاقة مرت بأزمات مماثلة وسجلت انهيارات اقتصادية دامية،ولم تتمكن من توثيق اللحظة في تاريخها.فقط الولايات المتحدة الأميركية بقوة ثقافتها وإعلامها وهيمنتها على الاقتصاد العالمي نجحت في جعل مناسبة محلية حدثا عالميا يحرك الأسواق الكونية، ويخرج الناس من منازلهم في كل ركن ومدينة للتسوق والشراء.

أنه الاستعداد العجيب للاستهلاك عند البشر،والشهية المفتوحة على الشراء مثلما تريدها أميركا دائما.