الأحد 05-07-2020
الوكيل الاخباري



ليس من جيوب المغتربين




قبل أكثر من ربع قرن؛ سافرت الى عدة دول عربية، بحثا عن عمل، ولم أجد عملا يستحق البعد عن الوطن، فالأجور قليلة، والنزعة ضد الأردني كانت قوية، واستمعت لمعاناة المغتربين في سبيل الحصول على لقمة العيش، ورسخت في ذاكرتي بعض القصص حول صبرهم تلك الأيام واحتمالهم فوق طاقتهم كي لا يفقدوا أعمالهم، التي تركوا الوطن من أجلها، فكل قرش يحصلون عليه من عملهم هو ثمين لأنه أجرهم الذي تلقّوه عن تعبهم المقدس.

ومنذ 15 عام؛ وأنا أدون في ذاكرتي أسماء زملاء وغيرهم، تعرضوا للمكائد السياسية من خصوم سياسيين وغيرهم، ففقدوا أعمالهم، وقبلوا الابتعاد عن الوطن من أجل خبز أبنائهم وتعليمهم وصحتهم، وليس هناك أشد مضاضة على النفس، أن يكون الرجل مستقرا ومحترما في وظيفته، ثم يتم قذفه إلى الشارع رغم أنه من أكثر الناس التزاما وأمانة وكفاءة، لكنه نموذج يشتبك غالبا مع خصوم ومناكفين، يصبح معها وحيدا على قارعة الطريق بلا وظيفة ولا دخل من أي نوع، ثم يخرج هؤلاء مشيا في مناكبها، فيجدوا مكانا يعملون فيه ليقوموا بواجبهم العائلي، وبسبب من جهدهم وكفاءتهم يحصلون على عائد مالي أفضل من الذي كانوا يحصلون عليه في الوطن، ولكل قرش يحصلون عليه قصة من كفاح وتعب وشعور ببذل تضحية كبيرة بالابتعاد عن الأهل والوطن الأم، فهذا المال ثمين جدا بالنسبة لهم ولكل من يفهم أو يشعر بحجم معاناة هؤلاء المواطنين.

وفي جائحة كورونا؛ تعرضت الأعمال الحرة والخاصة الى اختبار عسير، أورث المستثمر أو صاحب المال همّا جديدا، فهو يفكر كم ستطول هذه الحال، وإلى أي مدى سيصمد ويحافظ على ماله أو مشروعه ليتمكن من النهوض من جديد، فصاحب المال العامل في القطاع الخاص هو أكثرنا همّا على مستقبل الاقتصاد، فهو باب رزقه وعنوان وجوده، لا سيما إن كان يعمل لديه موظفون، ويقوم بصرف رواتبهم دون أن يعملوا، فهو يتعرض لاستنراف واضح، لا يمكن أن يتعايش معه طويلا إن استمرت حالة التعطيل والتوقف، ونحن نتحدث هنا عن الذي يملك المال ولديه استثمارات من أي نوع كانت تعمل وتحقق أرباحا، أو على الأقل كانت صامدة قبل الجائحة، فالهمّ لدى هؤلاء أكبر من الهمّ في قلب موظف أو مسؤول أو حتى صحفي وطني.. لأن ماله الذي هو مستقبله واستقراره على المحك بل على شفا هاوية.

هذه النماذج من الأردنيين تتعرض الى هجمة شعواء من قبل بعض منا، وهم الذين لم يتعبوا في قرش حصلوا عليه، ويعتقدون بأن الجميع مثلهم، فهؤلاء لا يعرفون ما معنى ان يترك أحد بلده بحثا عن رزقه ورزق أطفاله، ولا يعرفون مدى التعب والمعاناة التي يتعرض لها هؤلاء في الغربة، وكيف يحسبون كل قرش يحصلون عليه لتأمين مستقبل أبنائهم، وتجنيبهم هذه الرحلة القاسية من أجل الحياة بشرف وكرامة، ولا يعلم بعضنا ما هي هموم صاحب المال الذي يوصل ليله بنهاره يرعى عمله الخاص او استثماره، ويؤمن رواتب من يعملون عنده ويسدد التزاماته أولا بأول، خشية الإفلاس والسقوط وتضييع مستقبله ومستقبل من يعملون معه، ولا يمكن لبعضنا أن يقدر حجم خسائر هؤلاء أثناء فترة التوقف أو التعطيل الماضية.

أنا أتفهم أن يتم استنفار مشاعر التكافل بين الأردنيين، والطلب من كل ذي مال أن يساهم في مساعدة الناس، لكنني لا أحترم أو أقبل أن يتم التهجم على هؤلاء الناس ومطالبتهم بالدفع لنا أو للدولة، غير ما تجود به نفوسهم الطيبة.