السبت 27-02-2021

عن "جدل الارتباط" بالضفة الغربية



فجأة يطفو على سطح الجدال والنقاش السياسي الأردني جدل الموقف من قرار فكّ الارتباط مع الضفة الغربية، وهو أمرٌ من المفترض محسومٌ منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد أن قرّر الراحل الحسين بن طلال إعلان فك الارتباط مع الضفة الغربية، لينهي بذلك وحدة الضفتين (الأردن والضفة الغربية) التي استمرت قرابة أربعة عقود (1950، منذ عهد الملك عبدالله الأول المؤسس).

اضافة اعلان

لماذا يعود النقاش حول قرار فك الارتباط الآن؟ لأنّه مرتبط، بالضرورة، بحيثيات وتداعيات صفقة القرن (خطة الإدارة الأميركية للتسوية السلمية) المفترض أن يعلنها اليوم الثلاثاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتقتضي، ضمنياً، إلغاء المعنى القانوني والسيادي لإقامة دولة فلسطينية لها حدود دولية، وعاصمتها القدس، ولدى مواطنيها الحقّ بالعودة!

كل تلك البنود الأساسية في الحل النهائي صادرها الرئيس الأميركي، لصالح إسرائيل، وبالتالي، لم يعد موضوع إقامة الدولة الفلسطينية ممكناً. وفي هذه الحالة، عاد بعضهم في أروقة الإدارة الأميركية واليمين الإسرائيلي يتحدّثون عن "الخيار الأردني"، أي عودة الأردن إلى الضفة الغربية، وإنهاء فكرة السلطة الفلسطينية عبر صيغةٍ شكليةٍ من الفدرالية أو الكونفدرالية.
"الخيار الأردني"، في الحقيقة، هو الاسم الحركي للتغطية على إنهاء حل الدولتين، وتحميل الأردن تبعات إنهاء القضية الفلسطينية، ليس من خلال الترانسفير، كما حدث تاريخياً في موضوع اللاجئين والنازحين، ولكن عبر البوابتين، الديبلوماسية والسياسية!

النقاشات والجدالات الأردنية الحالية بمثابة تغميس خارج الصحن، فالسؤال ليس ما إذا كان الأردن سيعود إلى الضفة الغربية بصيغة وحدوية عروبية، أو رفض علاقة مع الضفة الغربية حفاظاً على هوية الدولة، بل المطروح، أميركياً وإسرائيلياً، هو تحمّل عبء المعادلة الديمغرافية الفلسطينية من دون الأرض، على نسبةٍ صغيرةٍ ومحدودةٍ من الأرض الفلسطينية، مع نقل الكرة الملتهبة إلى الأردن، ليتعامل مع المشكلات والأزمات الأمنية والسياسية المترتبة على إنهاء حلم الدولة الفلسطينية. وبالتالي تحمّل هذه المسؤولية!
طالما شكّك مسؤولون وسياسيون أردنيون بوجود طرح الخيار الأردني وبإمكانيته، لأنّ المسألة محسومة، فالملك عبدالله الثاني والسلطة الفلسطينية، فضلاً عن القوى الداخلية في كل المجتمعين، الفلسطيني والأردني، يعون تماماً أبعاد هذا الخيار، وهنالك ما يشبه الإجماع على رفضه، ضمن المعادلة الحالية. وعلى الرغم من صلابة هذا الموقف السياسي، والمسنود بجبهة شعبية عميقة، تقتضي المتغيرات والتحولات المحيطة الحذر أكثر، والانتباه إلى أنّ عملية تمرير هذا الخيار تسير واقعياً، وربما تحضَّر مفاجآت أو أحداث للوصول إلى صيغةٍ ما من هذا الحلّ، حتى وإن لم تكن رسمية، بمعنى أن ما سيحدث عملياً مع إطلاق صفقة القرن أنّ إسرائيل قطعت 90% من الطريق وصولاً إلى الحل الأردني، مع الإقرار بالمستوطنات، وضم غور الأردن، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإنهاء ملف عودة اللاجئين، والحدود والسيادة، عملياً صفقة القرن بمثابة وعد بلفور 2.

يبدو القلق اليوم لدى مطبخ القرار في عمّان من عدم وجود روافع حقيقية للموقف الأردني، عربياً وإقليمياً، ففي العقود الماضية كانت هنالك قوى تحمل العبء الأكبر (سورية، العراق، مصر، السعودية) في المواجهة. واليوم يبدو الأردنيون والفلسطينيون وحيدين، من دون أوراق قوة حقيقية. بل على النقيض من ذلك يهمس سياسيون أردنيون أنّ الأردن، وإن كان يعارض، بقوة وصلابة، الخطة الأميركية، بما تمثله من إنهاء عملي لحل الدولتين، وخطر جسيم على الأمن الوطني الأردني، إلّا أنّ تصعيد الملك، السياسي والديبلوماسي والإعلامي، ضد قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أدّى إلى توتر شديد وغير مسبوق مع هذه الإدارة، وإلى المخاطرة الشديدة، من دون نتيجة واقعية، بل لا يزال المقرّبون من الرئيس ترامب يتهكّمون على "رد فعل" الشارع، العربي الذي حذّر منه الملك، بأنّه جاء محدوداً وضعيفاً كما توقعوا. ولم يكن الملك يقصد، بالضرورة، الرد الفوري، إنّما صعود الراديكالية وتفشّيها، نتيجة الإحباط وخيبة الأمل، وعشعشة الفكر المتطرّف، لكن النخبة اليمينية المحيطة بترامب، والمهووسة بإسرائيل أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، لا تريد أن تقرأ أبعد من رؤية أنوفهم، فكان أن جعلوا الأردن والملك بمثابة "العقبة الأساسية" في وجه الإعلان المرتقب، بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية الضعيفة أصلاً.

طالما أنّ الأردن لا يملك الأدوات الاستراتيجية والسياسية القوية لمواجهة صفقة القرن وتغيير موازين القوى، وطالما أنّ الحالة الفلسطينية في أضعف حالاتها مع الانقسام الداخلي وغياب المصالحة، وفي ظل حالة "الانكشاف الاستراتيجي" العربي الحالية، ووجود موافقاتٍ "تحت على الصفقة، أو على تراجع أهمية القضية الفلسطينية، وفي ضوء الأزمة الاقتصادية الخانقة أردنياً، والتي أصبح واضحاً أنّها ليست بريئة البتة، يأتي السؤال المرهق للنخب السياسية، الحاكمة والمعارضة والمحايدة على السواء: ما العمل؟
أن يوقف الأردن صفقة القرن؟ هذا غير وارد. أن يرفض صفقة القرن؟ سيكون بذكاء، من دون الاصطدام المباشر مع الإدارة الأميركية؟ أن يراهن على موقف عربي يغير المعادلة؟ غير مطروح، على الرغم من أنّ الأردن سيدعو إلى اجتماع وزاري عربي فور إعلان الصفقة.. أن تتغيّر الحالة الفلسطينية فجأة، وتحدث المصالحة الداخلية، بما يعزّز الموقف الفلسطيني؟ خيار مستبعد تماماً، بعيداً عن العواطف؟ أن يرفض الأردن الخيار الأردني، ويصرّ على ذلك؟ هذا بالنسبة لصانع القرار موقفٌ استراتيجي مرتبط بالأمن الوطني، وبموقف داخلي لا يقبل المساومة من القوى الفاعلة جميعاً.
ما يطمح إليه الأردن أن يقلل من تأثير صفقة القرن، وأن يكسب الوقت مع السلطة الفلسطينية إلى حين تغيّر الإدارة الأميركية، مع الإقرار بأنّ ما حصل الإسرائيليون عليه اليوم بفعل "الصفقة الكارثية" والانكشاف الاستراتيجي العربي، وتهاوي الحالة النضالية الفلسطينية هو انتصار تاريخي كبير يضاهي ما حققوه في حرب مثل الـ67، بل قد يزيد عليها ديبلوماسياً وسياسياً.