الثلاثاء 05-07-2022
الوكيل الاخباري
Clicky

لا يجوز أن يموت مظفّر النوّاب



لم يكن إلّا مظفّرًا..! ما زلتُ ولدًا في الخامسة عشرة من عمري حين دسّ أحدهم «شريط كاسيت» برتقاليّ اللون ونبّهني بصوت خافت أن استمع إليه وحدي وعليّ أن أحافظ على هذا الكنز الكاستي ولا أسلِّمًهُ لأحد.. وما زالت جملته الشهيرة تدقّ في أُذني: إن نجحت في هذا الامتحان في الحفاظ على السريّة سيكون هناك أشرطة كاسيت أخرى في الطريق إليك..! أحسستُ بأن الكون كلّه يراقبني.. بحثتُ عن مسجّل وأنا أضع الشريط في كيسٍ ورقيٍّ وكأني أخبّئ جبلًا فيه..! ما أثقل هذا الحمل..! أخاف من أي شرطي.. أخاف من أي عينين لا تستقيمان بالنظر إليّ.. ما المخبوء في هذا الكاسيت وسط الأحكام العرفيّة التي لها صلاحيّات كبرى على هذا الكاسيت..؟!اضافة اعلان


نجحتُ بإحضار مسجِّلٍ للكاسيت.. ونجحتُ بالانزواء في مكانٍ قصيٍّ.. ولكنّ خوفي ونشفان ريقي يبلغان بي حدّ التوهان حتى انطلق الصوتُ من المسجِّل.. كانت ملحمة «وتريّات ليليّة» وكان التعاطي الأوّل مع «مظفر النوّاب» .. ما هذا السحر؟ ما هذا الإلقاء؟ ما هذا الشعر؟ ما هذه البذاءة العبقريّة؟ ما هذه اللغة الثوريّة؟ ما هذا الاستلاب..؟! سرقني الوقتُ وأنا استمع.. أعدتُ الكاسيت أكثر من مرّة ولم أنتهِ حتى نفدت بطّاريّات المسجل.. لعنتُ الحظّ ولكنني منذ تلك اللحظة كنتُ مع الانزياح التاريخي في تاريخي .. انزياح اسمه «مظفر النوّاب»..!

وتوالت أشرطة الكاسيت.. تلّ الزعتر.. بحّار البحارين.. الأساطيل..عبد الله الإرهابي.. قمم قمم.. في الحانة القديمة.. النورس الحزين.. نداء للطّيارين العرب..خالد أكر..وتوالت وتوالت وتوالت..! وبدأت لغتي تتغيّر.. صرتُ بلا قصد أمتلك لغة ثوريّة.. كان مظفّر يسكن جملي.. ولغاية هذه اللحظة أدين له بتفجير وتفخيخ لُغتي وإن صار لي أسلوبي الخاص ولكن لا يمنع ذلك من تلبِّسه بين الفينة والفينة.. ولولاه لما كان «خَبَبي» لأنه أستاذ «الخَبَب» الأوّل..!

 
مظفر الذي كان من المقتنيات الخاصة للجماهير العربية والذي حجز مكانه في الحضور والغياب.. والذي تعملق في الشعر والمقاومة و الثبات.. والذي لم يسلم من لسانه أي نظام عربي.. والذي تولّد من تحت عباءته ما لا حصر له من الشعراء..! مظفر بعد كل هذا وأكثر تقولون الآن بأنه مات.. رجل كهذا لا يمكن أن يموت ولا يجوز أن يموت..!

كل ما في الأمر أنّ «أبو عادل» ذهب يناضل في العالم الآخر يعلِّمهم وتريات جديدة قد تكون نهاريّة وليست ليليّة.. عالم آخر لا يكون فيه «أبو عادل» من الممنوعات.. ولا يكون هناك ولدٌ يسرق مسجِّلًا لشريط كاسيت وينزوي في مكانٍ قَصيٍّ كي يستمع إليه..!

إيه يا مظفّر.. لم تكن إلّا مظفّرًا..!

ملاحظة: كتب هذا النص وصوت مظفّر يصدح بالوتريات ولكن على اليوتيوب وليس من شريط كاسيت.