الثلاثاء 24-11-2020
الوكيل الاخباري

فلسطين وحسابات التجزئة




وسط انشغالات العالم بمجابهة وباء الكورونا وبعد ان تمكن الاسرائيليون من تشكيل حكومة الائتلاف الجديدة برئاسة نتنياهو جاء التصريح الاول بأن الوقت قد حان لضم اراضي المستوطنات للكيان الاسرائيلي والسير في ضم غور الاردن باعتبار أن الإدارة الاميركية قد منحت هذا الحق للكيان وتركت للقادة الاسرائيليين تحديد التوقيت المناسب لهذه الخطوة.
اضافة اعلان

في العالم العربي هناك صمت مطبق جرى اختراقه بتصريحات للملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي اعتبر أن الإقدام على خطوة ضم الاراضي الفلسطينية يلغي فكرة حل الدولتين ويدخل الاردن واسرائيل في حالة من الصدام. التوضيحات التي قدمها وزير الخارجية وتعليقات وزير الاتصال الناطق الرسمي اشارت الى أن المقصود بالصدام يمتد ليشمل الخيارات الاردنية المتاحة فالاردن كان ولا يزال ملتزما بالشرعية الدولية ومتمسكا بها ومناهضا لكل الحلول والاجراءات الاحادية التي تخرق المبادئ والاتفاقيات التي طالما احترمها الاردن وعمل على خدمتها.

الصراع العربي الاسرائيلي الذي زرعت بذوره في نهايات القرن التاسع عشر وانطلقت فكرة اغتصاب الارض وطرد الشعب مع وعد بلفور وباشرت المنظمة اليهودية وعصاباتها بالعمل على تنفيذ ذلك الحلم في النصف الاول من القرن الماضي وعززت انجازاتها ووجودها ضمن مخطط عدواني توسعي يستند الى منهج القضم التدريجي للاراضي واستبعاد وتهجير السكان وصولا الى ابتلاع كامل الاراضي العربية الواقعة ضمن تصور اسرائيل الكبرى التي يسعى الكيان الصهيوني لتحقيقه.

من الواضح تماما وجود خلل في معادلة الصراع لحساب الطرف الاسرائيلي فالحديث العربي عن الانتصارات والبطولات لا يتجاوز قصصا وروايات للاستهلاك المحلي في الشارع العربي. على مدار ما يقارب القرن ومنذ الاعلان عن وعد بلفور اتسعت رقعة الارض الواقعة تحت سيطرة الكيان الاسرائيلي وخسر العرب في كل معاركهم مزيدا من الاراضي والثقة بالنفس وصولا الى حالة من الانقسام والتشكيك وربما الحماس داخل بعض الاوساط العربية للتخلي عن دعم الفلسطينيين لا بل معاداتهم وانكار حقوقهم.

فيما يتبقى من الجبهة العربية المتمسكة بالحقوق الفلسطينية هناك تباينات واضحة وافتقار الى سردية موحدة يتبناها الجميع ففي الوقت الذي ترى فيه بعض الفصائل الفلسطينية ان فلسطين هي كامل الاراضي الواقعة بين شواطئ المتوسط الى حدود نهر الاردن وان لا حل الا في المقاومة ورفع كلفة الاحتلال يرى اركان السلطة الوطنية ان الطريق الى الحل الدائم يأتي من خلال المفاوضات وتتبنى استراتيجية تقر بالتعاون الأمني مع السلطات الاسرائيلية لمنع ظهور اي مقاومة وإدانتها والتنديد بها.

على طرفي معادلة الصراع القائم بين الاسرائيليين والعرب هناك اختلاف في الايدولوجية والتفكير والانتماء والادوات. فاليهود يملكون قصة ورواية عن علاقتهم بالارض يربطونها بديانتهم ويضفون عليها قدسية تجعل الغالبية العظمى منهم ومن اصدقائهم وحلفائهم يتبنونها ويسلمون بصحتها ويعملون على تجسيدها باعتبارها واجبا دينيا وهدفا قوميا يشتركون جميعا بخدمته.

في الثقافة اليهودية سرديات وقصص تتحدث عن وحدة الجماعة ومعاناتها التاريخية وتعرضها للاضطهاد والظلم والتمييز وتفسر ضياعها وانتشارها وتشتتها في العالم وحتمية جمع شملها واعادة بناء قوتها وتبوّئها لمكانة الشعب المميز المختار. خلال المراحل المختلفة من تاريخ الحضارة الانسانية وجد اليهود في الكثير من المراكز الحضرية واعتنوا بالتجارة والمال والعلم وحافظوا على هويتهم الدينية والقومية وفيما بعد اسهم اليهود في احداث الثورة الصناعية وما ارتبط بها من تحولات فكان الكثير منهم روادا في مجالات العلوم والابحاث واصحاب النظريات الجديدة في السياسة والاقتصاد والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة والعلوم .

المشكلة التي عانى ويعاني منها الفلسطينيون وأدت الى خسارتهم جولات الصراع وفقدان الارض لا تتعلق بضعف ايمانهم بقضيتهم او نقص في الشواهد على عدالتها ولا لتردد الانسان العربي وافتقاره للشجاعة والاستعداد للدفاع عن الارض وحماية التاريخ والمقدسات والهوية بل كانت ولا تزال مرتبطة بحسابات التجزئة التي تعتمدها الانظمة العربية والعائد الذي يمكن الحصول عليه جراء المواقف والاجراءات التي يتخذونها.

المنظمات الصهيونية ومن خلفها الانظمة الغربية وعت تماما الحالة العربية منذ الايام الاولى للتخطيط وقبل ان تنطلق موجات الهجرة والاستيطان في بدايات القرن الماضي فأبرمت الاتفاقيات واعطت الوعود وبنت استراتيجيات النفاذ الى الجسم السياسي العربي من خلال اللعب على التناقضات القائمة بين القيادات والجماعات العربية المنشغلة في متوالية الائتلاف والاختلاف التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

الخلل المسؤول عن خسارة العرب لقضاياهم مرتبط بغياب الديمقراطيات وحكم الافراد والنزعة الى تأليههم والابتعاد عن محاسبتهم وفشلهم في تسهيل انطلاق برامج تنموية تمكن الشعوب من العمل والمشاركة والتعبير. لهذه الاسباب استسهل الغرب واعداء الامة التعامل مع الطغاة وتوجيههم فقاوموا نشوء الديمقراطيات ووصول الاحزاب الممثلة الى الحكم ليبقى الزعيم العربي اداة في يد القوى الخارجية التي تساعده على البقاء في الحكم رغما عن الارادة الشعبية.